المسعودي

42

مروج الذهب ومعادن الجوهر

الله تبارك وتعالى : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربكَ الاكرَم ، الذي علَّم بالقَلَم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ) فوصف عن نفسه أنه علم بالقلَم ، كإخباره عن نفسه بالكرم ، وفي ذلك يقول بعض أهل الأدب : لمَّا عَلمتُ بأني لست أعجزهم فوتاً ولا هرباً قدمتُ أحتجبُ فصرت بالبيت مسروراً به جذلًا حاوي البراءة ، لا شكوى ولا شغبُ فرداً يحدثني حقاً وينطق لي عن علم ما غاب عني منهمُ الكتبُ المؤنسون هُمُ اللائي عُنيتُ بهم فليس لي في جليس غيرهم أرَبُ لله درُّ جليسي لا جليسهم فذا عشيرهم للسوء يرتقب وقد كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس ، ونزل مقبرة ، وكان لا يُرى الا وفي يده كتاب يقرؤه ، فسئل عن ذلك ، فقال : لم أرَ واعظاً أوعظ من قبر ، ولا ممتعاً أمتع من كتاب ، ولا شيئاً أسلم من الوحدة ، فقيل له : قد جاء في الوحدة ما جاء ، فقال : ما أفسدها للجاهل ، وقد قال بعض الشعراء فيمن يجمع الكتب ولا يعلم ما فيها : زَوَامِلُ للأسفار لا علم عندهم بِجَيِّدِها إلا كعلم الأباعرِ لَعَمْرُكَ ما يدري البعيرُ إذا غدا بأحماله أو راح ما في الغَرَائرِ